سهيلة عبد الباعث الترجمان

211

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وما يراه الشبلي في قضية الإيجاد والخلق أنه لا وجود لشيء إلّا باللّه ، وكل شيء قام باللّه لأنه أصل الوجود فيقول : " باللّه قامت الأرواح والأجساد والخطرات لا بذواتها " وهذا عين ما ذهب إليه في منحاه الصوفي وفي تفسيره لإسمه تعالى " القيّوم " وهو ما قامت به الموجودات جميعها وهو ركنه الأساسي في ما يفسره لوحدة الوجود . وقد ظهر في شطحات الشبلي ما جاء في كلامه على لسان الحقيقة الإلهية بعد فنائه بها بقوله لمن زاره : " أنا معكم حيثما كنتم " أنتم " في رعايتي وفي كلاءتي . وربما أراد الإشارة إلى معية الحق للخلق بقوله : إن اللّه معكم حيث ما كنتم وهو يرعاكم ويكلأكم في رعايته وكلاءته « 1 » . وينفي الشبلي الزمان والمكان عن الحق ، فلا تقييد له بمقولة الزمان والمكان لذلك نراه يقول : سبحان من كان ولامكان ولا زمان ولا أوان ولا دهر ولا أبد ولا أزل ولا أول ولا آخر ، وهو في حال ما أحدث من الأشياء غير مقول عنهم ولا مستعين بهم ، عدل في جميع ما حكم عليهم « 2 » . فإذا ما دققنا النظر في ما أوردناه عن الشبلي ، فإننا نجد أن أفكاره هي نفس ما يتداوله الصوفية المتقدمين عليه من حيث التوحيد ونفي فكرة الزمان والمكان عن الذات الإلهية وتنزيهها ، وهي كذلك متداولة بين الصوفية المتأخرين عنه أيضا ، فلا غرابة إذن أن تطالعنا هذه الأفكار لدى ابن عربي إذ أنهما شربا من معين واحد ، وسلكا طريقا واحدة ، وشهدا عينا واحدة ، فكان ذلك دليلا على أن ابن عربي قد انتفع بأفكاره وتأثر بآراء من سبقه من هؤلاء المتصوفين بما يتفق وروح مذهبه في الوحدة للوجود . ومن جملة من انتفع بعلومهم أيضا أبو حامد الغزالي ، فيشير ابن عربي إلى ما ينطوي عليه موقفه في الأحكام الشرعية مبينا مدى موافقة آرائه لآراء الغزالي في هذا الشأن فيقول : " إعلم أن اللّه خاطب الإنسان بجملته ، وما خصّ ظاهره من باطنه ، ولا

--> ( 1 ) قوله إن اللّه معكم حيث ما كنتم يثبت فيها معية الحق للخلق فهو معهم أين ما كانوا والآية تقول : قال اللّه تعالى إِنِّي مَعَكُمْ سورة المائدة ، الآية : 11 م ، وقوله في الآية : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ سورة الأنبياء ، الآية : 42 . ( 2 ) الطوسي اللمع ، المصدر السابق ، ص 441 .